الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

362

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ليعاتبه أو يعاقبه ، قال كعب بن زهير : لا تأخذنّي بأقوال الوشاة ولم * أذنب وإن كثرت فيّ الأقاويل فالمفاعلة هنا للمبالغة في الأخذ ؛ إذ ليس فيه حصول الفعل من الجانبين . والمؤاخذة باليمين هي الإلزام بالوفاء بها وعدم الحنث ؛ ويترتب على ذلك أن يأثم إذا وقع الحنث ، إلّا ما أذن اللّه في كفّارته ، كما في آية سورة العقود . واللغو مصدر لغا إذا قال كلاما خطئا ، يقال : لغا يلغو لغوا كسعا ، ولغا يلغى لغيا كسعى . ولغة القرآن بالواو . وفي « اللسان » : « أنه لا نظير له إلّا قولهم أسوته أسوا وأسى أصلحته » وفي الكواشي : « ولغا يلغو لغوا قال باطلا » ، ويطلق اللغو أيضا على الكلام الساقط ، الذي لا يعتد به ، وهو الخطأ ، وهو إطلاق شائع . وقد اقتصر عليه الزمخشري في « الأساس » ولم يجعله مجازا ؛ واقتصر على التفسير به في « الكشاف » وتبعه متابعوه . و ( في ) للظرفية المجازية المراد بها الملابسة ، وهي ظرف مستقر ، صفة اللغو أو حال منه ، وكذلك قدره الكواشي فيكون المعنى على جعل اللغو بمعنى المصدر ، وهو الأظهر : لا يؤاخذكم اللّه بأن تلغوا لغوا ملابسا للأيمان ، أي لا يؤاخذكم بالأيمان الصادرة صدور اللغو ، أي غير المقصود من القول . فإذا جعلت اللغو اسما بمعنى الكلام الساقط الخاطئ ، لم تصح ظرفيته في الأيمان ، لأنه من الأيمان ، فالظرفية متعلقة بيؤاخذكم ، والمعنى لا يؤاخذكم اللّه في أيمانكم باللغو ، أي لا يؤاخذكم من بين أيمانكم باليمين اللغو . والأيمان جمع يمين ، واليمين القسم والحلف ، وهو ذكر اسم اللّه تعالى ، أو بعض صفاته ، أو بعض شؤونه العليا أو شعائره . فقد كانت العرب تحلف باللّه ، وبرب الكعبة ، وبالهدي ، وبمناسك الحج . والقسم عندهم بحرف من حروف القسم الثلاثة : الواو والباء والتاء ، وربما ذكروا لفظ حلفت أو أقسمت ، وربما حلفوا بدماء البدن ، وربما قالوا والدماء ، وقد يدخلون لاما على عمر اللّه ، يقال : لعمر اللّه ، ويقولون : عمرك اللّه ، ولم أر أنهم كانوا يحلفون بأسماء الأصنام . فهذا الحلف الذي يراد به التزام فعل ، أو براءة من حق . وقد يحلفون بأشياء عزيزة عندهم لقصد تأكيد الخبر أو الالتزام ، كقولهم وأبيك ولعمرك ولعمري ، ويحلفون بآبائهم ، ولما جاء الإسلام نهى عن الحلف بغير اللّه . ومن عادة العرب في القسم أن بعض القسم يقسمون به على التزام فعل يفعله المقسم ليلجئ نفسه إلى عمله ولا يندم عنه ، وهو من قبيل قسم النذر ، فإذا أراد أحد أن يظهر عزمه على